كيف نحبِّب الناشئين بالعلم

كيف نحبِّب الناشئين بالعلم
العلم والمجتمع
تجربة علمية أمام عيني الطفل قد تكون أبلغ من قراءته لصفحات طويلة
إعدادت الحروف

لعلَّ العديد من أولياء الأمور لا يدركون أنَّ حبَّ العلم والمعرفة يبدأ من الطفولة وأنه من الأسهل غرس حبِّ العلم عند أطفالهم في أثنائها فيجعلونها تمرُّ على أبنائهم لعبًا ولهوًا فحسب دون الاستفادة منها في بناء مستقبلهم. ويجهل الكثير من الناس أيضًا الطريقة الصحيحة لاستغلال فضول الأطفال وحبِّهم للتحدِّيات بطبعهم وتحويلهما إلى شغف بالعلم والمعرفة. كيف يمكن للوالدين تدريب أطفالهم على اكتشاف المفاهيم البسيطة التي تقدم تفسيرات للظواهر المحيطة بنا؟ ولاسيَّما أنَّ الإجابة على تساؤلاتهم العلمية قد تصنع علامة فارقة في إعداد مستقبلهم، إذ لا يبدأ تعلم العلوم مع دراسة المواد العلمية في المدرسة بل يسبق ذلك بكثير. تُرى ما الطريقة التي يمكن أن تساعدنا في صناعة ناشئين محبِّين للعلم؟هذه بعض الإرشادات المفيدة للآباء والأمهات لإلهام أبنائهم.

الأطفال فضوليون جدًّا بطبعهم وهم يدسُّون أنوفهم في كلِّ شيء ويطرحون الأسئلة باستمرار. يتعلَّم الأطفال بأفضل ما يمكن من خلال التجربة، وهذا ما يبيِّن أهمية التعلُّم من خلال ما يستطيعون رؤيته أو سماعه أو لمسه أو تذوقه أو شمِّه.

تبيِّن دراسة بحثية نُشرت مؤخرًا في مجلة ساينس Science Magazine أنَّ طريقة تعلم وتفكير الناشئين تشبه إلى حدٍّ كبير التفكير العلمي. فوفقًا لهذه الدراسة يختبر الأطفال الذين لم يدخلوا إلى المدرسة بعدُ فرضيَّات على البيانات المعروضة أمامهم ويحصلون على استنتاجات سببية من خلال التجريب البسيط ومن خلال مراقبة الآخرين والاستماع إليهم.

دعونا نكتشف الآن بعض السبل الممتعة والمحفِّزة للاهتمام التي يمكن أن تحبِّب الناشئين في العلوم من خلال التجارب والاستكشافات التي تحصل في حياتنا اليومية ضمن الوسط المحيط بنا.

تبديد الخوف
قبل البدء بالأنشطة العلمية يجب علينا التخلص من الرهبة المرافقة للعلوم. يجب أن يدرك الأطفال أنَّ العلم ليس فقط مجموعة من المعلومات الجافة التي تتناول حقائق علمية وأشكالًا بيانية ومعادلات وتجارب لا تنتهي، بل إنه أيضًا لعبٌ بالمواد الكيميائية الملوَّنة والمغنطيسات والأشياء الطائرة والأشياء المتعرجة الغريبة التي لا تخطر على بال. وهو أفضل طريقة لإدراك العالم من حولنا وفهم كيفية عمله من خلال الملاحظة وطرح الأسئلة وإجراء التجارب لاستنتاج الإجابات من كلِّ ذلك، فالعلم ليس محصورًا بالمدارس أو الجامعات، بل إنه موجود في حياتنا كلها، في الطعام الذي نتناوله، وفي الأرض التي نعيش عليها، وفي الأجهزة الإلكترونية التي نتعامل معها، وحتى في الألعاب التي يلعبون بها.

كلُّ ما يجب علينا عملهُ هو إزالة هذه الرهبة من القراءة والكتابة اللتين لا تنتهيان وجعل الطفل يعرف أنَّ العالم في حاجة دائمة للعلماء وللاستمرار في الاختراع، فمن المرجَّح أن يدرس الأطفال العلوم عندما يبدؤون بالتعامل معها منذ الصغر.

ماذا يحبُّ الأطفال؟ ما رأيكم بتعليمهم تجارب مسلية من الوسط المحيط بكم؟ هناك العديد من التجارب المنزلية للأطفال المتوفرة على صفحات الإنترنت، فقط اكتبوا في محرك البحث "تجارب للأطفال" أو "تجارب بسيطة للأطفال" أو "تجارب مسلية للأطفال" وستجدون مئات وصفات التجارب والفيديوهات التعليمية المفيدة.

التجارب المنزلية
هناك العديد من التجارب التي يمكن تنفيذها بأمان في المنزل، ولا يتطلب ذلك خلفية علمية كبيرة لدى الوالدين. تخيروا موضوعات وأفكارًا علمية بسيطة وناقشوها معهم، سيتعلم الأطفال منها أنَّ العلوم ليست بالأمر المعقَّد، ولاسيَّما عندما يستخدمون أشياء بسيطة موجودة حولهم، ساعدوهم أيضًا في إيجاد إجابات عن أسئلتهم عبر البحث معهم عن هذه الإجابات ولعلَّكم تكتشفون مثلهم متعة هذه التجارب. مثلًا، يمكنكم استخدام العدسة المكبرة للنظر مع الأطفال على الأوراق وعلى أجنحة الفراشات وعلى التراب أو استكشاف عملية التركيب الضوئي للنباتات في المنزل. خصِّصوا الوقت لمناقشة موضوع علمي أو الاستزادة من خبر عن اكتشاف علمي أو حتى قراءة كتاب علمي بصحبتهم بحيث يستطيعون أيضًا اكتساب مهارات جديدة في الحياة.

يجب أن يشرف الآباء والمعلِّمون على تعليم أطفالهم وإبداعهم. ويقول السير هارولد كروتو Harold Kroto الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء:
"أعتقد أنَّ على الناشئين الثقة بمعلِّميهم وبوالديهم، فأهمُّ شيء بالنسبة إلى هؤلاء هو أن يتحقق الناشئون من صِحَّة ما يسمعونه فعلًا. وهذا بحدِّ ذاته العِلم لأنَّ العلم يتعامل مع الحقائق الأساسية".

الألعاب الحاسوبية ومحاكاة التجارب والإنترنت
يحب الأطفال دون شكٍّ الألعاب الحاسوبية ويمكنهم قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة دون طعام أو نوم. تملك الألعاب ومحاكاة التجارب إمكانات كبيرة لتطوير أهداف تعليمية متعددة، بما فيها الحافز لتعلم العلوم وفهم الموضوعات العلمية واكتساب المهارات العملية العلمية وفهم طبيعة العلوم وتعلمها.

وإذا لم يكن الطفل مهتمًّا بالألعاب الحاسوبية وكان ذا ميول فنية أكثر فيمكنه تتبع الفيديوهات الرائعة التي تروِّج للعلوم والمتوفرة على الإنترنت وذلك بإشراف أحد الوالدين، فوجود تلك الوسائل داخل البيت ستعزِّز من حضور العلم في حياة الناشئين.

الاستكشاف خارج البيت
ثمَّة الكثير من التجارب التي يمكن إجراؤها في مختبر المدرسة أو في المنزل، ولكن أحيانًا يكون من الجيِّد التوجه إلى خارج البيت أو المدرسة من أجل الحصول على منظور مختلف. مثل زيارة حديقة النباتات أو حتى ارتياد معرض علمي أو متحف وأيضًا الاشتراك في أي نشاط علمي في المدرسة مثل معرض العلوم ونادي العلوم والمعسكر العلمي وعمل فيديوهات عن التجارب العلمية المدرسية. تشير الدراسات إلى أنَّ الفصول المدرسية الخارجية والأشكال الأخرى من التعليم الاستكشافي تعطي فوائد علمية واضحة للطالب. في تقرير مُرسل لمجلس النواب الأمريكي بعنوان "لا تتركوا طفلاً في الداخل" يستشهد ريتشارد لوڤ Richard Louv، رئيس مجلس إدارة شبكة الأطفال والطبيعة Children & Nature Network، بدراسة لمديرية التعليم في كاليفورنيا أجريت عام 2005 ووجدت أن تحسُّن أداء الطلاب في الصفوف الخارجية في العلوم بلغ نحو 27%، وهذا دليل أيضًا على فائدة ذلك في تمكين الناشئين من اكتشاف العالم من حولهم والتعرف عليه وفهمه بنحو علمي.

تركِّز المدارس الابتدائية في بعض الأحيان على العلوم فحسب، فتبذل الكثير من الجهد في تدريس القراءة والكتابة والرياضيات والتحضير للامتحانات والشهادات ولكنها تُهمِّش موضوعات استكشاف العلوم.

يُدهش العديد من الأطفال بكيفية عمل العالَم من حولهم، فهم يطرحون أسئلة لا تنتهي عن علوم الفضاء وتقانات الحاسوب وكيفية نمو النباتات أو الحيوانات وحتى عن ظواهر الكهرباء والمغنطيسية، ومع ذلك فليس جميع أولياء الأمور مهتمِّين أو عارفين بالقدر الكافي للإجابة عن أسئلتهم، ولكن لا يجب أن يمنعنا هذا من مرافقة الناشئين ومساعدتهم على متابعة اهتماماتهم من خلال السبُل المذكورة أعلاه.

أخيرًا، هذه بعض الاقتراحات المفيدة لمساعدة الناشئين على تطوير فضولهم العلمي:

  1. زوروا أيَّ نشاط علمي مخصَّص للجمهور. اطلبوا من القائمين عليه شرح ما يقدمونه من معلومات واطرحوا الأسئلة عليهم وستجدون أنه يمكن تبسيط الكثير من الاختراعات العلمية للكبار والصغار.
  2. هل يوجد أساتذة في المدرسة مهتمون بنشر الثقافة العلمية؟ طالبوا إدارة المدرسة بتوفير مدرسين مهتمِّين برعاية الاستكشاف العلمي لدى الناشئين وتدريبهم على إجراء التجارب العلمية وطرح الأسئلة عنها في المدرسة.
  3. اجلبوا من مكتبة المدرسة أو مكتبة الحي أو اقتنوا ما أمكنكم من الكتب التي تتناول مشاريع علمية مبسَّطة يمكنكم تنفيذها مع أطفالكم.
  4. تجولوا في الطبيعة واكتشفوا مع الناشئين كيف تنمو الأشياء. ساعدوهم على إنشاء مجموعات نباتية أو جيولوجية من الأشياء التي تثير اهتمامهم.
  5. في المطبخ، قيسوا المقادير مع أبنائكم وراقبوا التفاعلات المختلفة للخلائط المتنوعة (الملح، الليمون، السكر، العجين، المثلَّجات، البخار، الماء، إلخ) وبعد ذلك كلوا ابتكاراتكم الرائعة مع بعض الشرح عن تأثير المكونات وتحولاتها إن أمكنكم ذلك.
  6. شاهدوا فيديوهات يوتيوب التي تتناول كيفية صنع الأشياء مع أبنائكم، وأظهروا اهتمامكم بها، واطرحوا على أطفالكم الأسئلة المتعلقة بالموضوع. فكروا وابحثوا معهم عن أجوبة ممكنة وتحققوا منها في الإنترنت أو الكتب الموجهة للناشئين.
  7. أشرِكوا أطفالكم في صفوف العلوم خارج المدرسة العادية، ولاسيَّما في أوقات الصيف. قد تجدون هذه الصفوف متوفرة في المكتبات العامة والمدارس الصيفية التي تبتكر برامج للأطفال.
  8. هل عندكم أسئلة علمية لا تعرفون أجوبتها؟ إنها فرصة رائعة للبحث عن الجواب مع الناشئين لكي يتعلموا المزيد عن طائفة عريضة من الأسئلة العلمية التي تقابلنا في حياتنا اليومية. ابحثوا في الإنترنت عن المعلومات، اسألوا أساتذة العلوم في المدرسة، اطَّلعوا على الكتب التي تتناول الموضوع، ابحثوا عن الفيديوهات المتوفرة في الإنترنت عن الموضوع، وستجدون حتمًا أجوبة تتعلمون جميعًا الكثير منها!
  9. احصلوا على مجاهر خاصة بالناشئين واستكشفوا العناصر الدقيقة للعديد من الأجسام.

بكلمات أخرى، على الوالدين تنمية الاهتمامات العلمية لدى الناشئين إن اهتمُّوا بذلك، وتشجيع اكتشافاتهم ومغامراتهم في عالم العلوم الواسع. عليكم تحفيز تعلُّمهم من خلال التعبير عن تقديركم لاهتماماتهم. زيدوا من إلهامهم من خلال ملاحظة أنهم يهتمون بأمور قد تماثل اهتماماتكم أو تختلف عنها. ساعدوهم في العثور على ناشئين آخرين يشاركونهم طموحاتهم لتطوير معرفتهم العلمية أو يحفِّزوهم أكثر. والنتيجة العظيمة هي أنَّ طفلكم يعرف أنكم مهتمون بما يريد الوصول إليه وهذا ما يعزِّز الرابط الأسري في العائلة.