مسبِّبات اضطرابات الغدد الصمَّاء تهدِّد نمو الدماغ

لا يمكننا الاستمرار في اللعب بصحة أطفالنا
أمراض
لا يمكننا الاستمرار في اللعب بصحة أطفالنا
إعدادت الحروف

إنَّ مسبِّبات اضطرابات الغدد الصمَّاء موجودة في كلِّ مكان، وهذه العائلة من الخلايا الكيميائية تُغيِّر من التوازن الدقيق للجهاز الهرموني الذي ينظِّم بنية الأنسجة الدماغية.

توجه دراسة وتقرير منشورين في 7 مارس الأخير أصابع الاتهام الى مسببات اضطراب الغدد الصمَّاء وتأثيره على نمو الدماغ. نُشرت الدراسة في مجلة سيانتفيك ريبورت Scientific Reports، وقد أجراها فريق من الباحثين في مختبر تطور تنظيم الغدد الصماء (المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي – المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا). وحرَّر التقرير عدد من الخبراء لتلبية طلب الجمعية غير الربحية البريطانية "الصندوق الاستئماني للكيمياء" CHEM Trust.

إنَّ البيسفينول A (BPA) والفثالات، ومثبِّطات النار البرومية (BFRs)، والبيروكلورات، ومبيدات الحشرات... هي مسببات اضطرابات الغدد الصماء تختبئ في الملابس، في الأثاث، في التعبئة والتغليف، في الأوعية الغذائية، في الغبار، وحتى في الأغذية نفسها (من خلال مخلَّفات مبيدات الحشرات). وفقًا للمختصين العلميين الثقات، كلنا متعرضون لجرعات مختلفة لمئآت من المواد الكيماوية في حياتنا اليومية.

ويُثبت العديد من الدراسات خطورة بعض هذه الجزيئات على الصحة لإنها قد تكون من أسباب السرطان، العيوب الخلقية، البدانة، داء السكري، وكذالك اضطرابات النمو (مرض التوحد، فرط النشاط، وهبوط نسبة الذكاء). وتكمِل بحوث جديدة المزيد من النتائج هذه المخاطر بإظهار الآثار الضارة على نمو الدماغ.

ركَّب باحثو المركز الوطني للبحث العلمي خليطًا يتألف من 15 مادة تركيبية موجودة في مجموعة من منتجات الحياة اليومية. حيث تحتوي مركبات الخليط على البيسفينول A، والتريكلوسان، والبينزفينون-3، وبيروكلورات الصوديوم، "فحصت دراسات سابقة آثار بعض الجزيئات بنحو فردي ولكنَّ خصوصية المشروع تقع في خلط هذه المواد" بحسب ما تشرحه باربرا ديمينيوك Barbara Demeneix، وهي طبيبة الغدد الصمَّاء في المركز الوطني للبحث العلمي وإحدى مؤلفي هذه الدراسة. لقد عرَّضنا أجنة الضفادع من نوع القيطم الأفريقي African clawed frog مدة ثلاثة أيام لهذا الخليط الكيماوي، وكذلك لتركيزات مماثلة للتي يمكن قياسها في السائل المحيط بالجنين الإنساني. فالجنين يسبح في هذا السائل خلال الحمل ويُمكنه التعرُّض لهذه المواد السامَّة بطريقة غير مباشرة.

اختير سنُّ الأجنة بحسب بدء عمل الغدة الدرقية التي تُطلق الهرمونات الدرقية، وهي أساسية للنمو الصحيح للدماغ. وللمقارنة مع الإنسان كانت مدة التعرض للاختبار مساوية لتلك التي تكون فيها الغدة الدرقية للأم هي وحدها الموجودة.

نتيجة الدراسة: رغم التعرُّض لهذا الخليط خلال مدة محدودة كانت الآثار على نمو دماغ الشراغيف متعددة. في الواقع، أثَّر خليط هذه المواد على سير عمل هرموناتها الدرقية، كما غيَّر من عمل عدة مورِّثات تساهم في بناء الدماغ. وكانت النتيجة هي تقلُّص حجم العصبونات مع انخفاض حركية الشراغيف. وبما أنَّ وظيفة هرمونات الغدة الدرقية موجودة في مجموع الفقاريات، بحسب المؤلفين فإنَّ "هذه النتيجة تُظهر أنَّ خلط هذه المواد الكيماوية الموجودة في كلِّ مكان قد يُمارس آثارًا سلبية على نمو جنين الإنسان".

يذكِّر مؤلفو تقرير الصندوق الاستئماني للكيمياء بأنَّ الدماغ الذي يضمُّ نحو 85 بليون عصبون هو عضوٌ معقَّد للغاية، وأنَّ نموه الرهيف والمتطور يحدث طوال عمر الإنسان. ولكنَّ المراحل الأولى للتطور من مرحلة الجنين إلى المُراهقة تمرُّ بتغيرات سريعة وذات حساسية كبيرة للمواد الكيماوية السامة.

خلال هذه السيرورة يمكن أن يؤدي أيُّ اضطراب لهرمونات الغدة الدرقي إلى حدوث آثار مهمَّة، مثل تقليص نسبة الذكاء، أو ظهور اضطرابات من نمط التوحد (مرض التوحد، أو متلازمة أسبرجر، أو متلازمة ريت، إلخ). وعندما يكون التعرض بعد الولادة تكون المخاطر المتعلِّقة عمومًا هي انخفاض الحركة والتركيز وفقًا لنوع الجزيئة وخصوصيات التعرض ( أي المدة والشِّدة).

كذلك "إنَّ ظاهرة التعرض للمواد الكيماوية التي نشهدها ستكون مشكلة مهمَّة للصحة العامة وتهديد للذكاء" بحسب ما صرحه الأستاد فيليب جرانجان Philippe Grandjean من (جامعة الدنمارك الجنوبية و جامعة هارفارد) الذي شارك في تقرير الصندوق الاستئماني للكيمياء.

من خلال البرنامج السابع للحركة من أجل البيئة (PAE) للمدة 2013 – 2020 أعلن الاتحاد الأوروبي عن إرادته خفض وجود المواد السامة في البيئة. ومع ذلك فإنَّ سنَّ قوانين لمسبِّبات اضطرابات الغدد الصمَّاء ليس ضمن المستقبل المنظور، فقد كان على هذه القوانين أن ترى النور في 2013 على أكثر تقدير، وقد أدانت المحكمة الأوروبية العليا الاتحاد الأوروبي لذلك في شهر ديسمبر 2015 لتقصيره في إدارة هذا الملف.
ولم يخرج الاتحاد الأوروبي من هذه الورطة. وفقًا لتصريح البروفيسور ميكائيل ڤارهرست Michael Warhurst، الرئيس التنفيذي للصندوق الاستئماني للكيمياء، يجب أن يكون القانون أكثر صرامة: "إن نمو الدماغ لدى الأجيال القادمة هي قضية أساسية. نحن بحاجة لمشرِّعين أوروبيين من أجل القضاء على مجموعات من المواد الكيميائية بدلًا من الحدِّ من هذه المنتجات ببطء، إذ لا يمكننا الاستمرار في اللعب بصحة أطفالنا".

 

مقالات متعلقة:

مسبِّبات اضطرابات الغدد الصمَّاء